فصل المسارات في روما.. هل نجا لبنان من التصعيد؟

لم تكن الجولة الأخيرة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في روما مجرد محطة سياسية عابرة، بل جاءت في توقيت حساس يتزامن مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران وتبادل الرسائل السياسية والعسكرية بين الأطراف المعنية. ورغم تشابك الملفات الإقليمية، حافظ المسار اللبناني على طابعه الخاص، بعيداً عن دمجه بشكل مباشر في المواجهة المتصاعدة بين واشنطن وطهران.
ويعكس استمرار الحوار بين بيروت وتل أبيب رغبة في إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة، خصوصاً أن انهيار هذا المسار قد يؤدي إلى عودة التوتر على الحدود الجنوبية اللبنانية، بما ينعكس على الوضع الأمني الداخلي وعلى الاستقرار في المنطقة. كما أن الأطراف المعنية تدرك أن فتح جبهة جديدة في ظل الظروف الإقليمية الحالية قد يحمل تداعيات واسعة يصعب احتواؤها.
ودخل لبنان المفاوضات مع التركيز على عدد من الأولويات، أبرزها وقف الخروقات والاعتداءات المتبادلة، وتعزيز دور المؤسسات الرسمية، خصوصاً الجيش اللبناني، في أي ترتيبات أمنية مستقبلية. كما سعى الجانب اللبناني إلى إبقاء النقاش ضمن إطار أمني وتقني، بعيداً عن التأثيرات المرتبطة بالصراعات الإقليمية الأوسع.
ورغم محاولات الفصل بين الملفات، يبقى الارتباط بين الساحة اللبنانية والتوتر الأميركي – الإيراني قائماً. فالتجارب السابقة أظهرت أن أي تصعيد كبير في المنطقة يمكن أن يترك انعكاسات على لبنان، نظراً لتداخل المصالح الإقليمية والدولية المرتبطة بالساحة اللبنانية.
ويُنظر إلى استمرار المفاوضات على أنه خطوة تهدف إلى منع تدهور الأوضاع، إلا أن نجاحها لا يرتبط فقط بانعقاد الجولات الحوارية، بل بقدرتها على تحقيق نتائج عملية، مثل تثبيت الهدوء على الحدود، الحد من الخروقات، ومعالجة الملفات العالقة بين الجانبين.
وتشير المعطيات إلى وجود مساعٍ للحفاظ على مسار تفاوضي منفصل للملف اللبناني، بهدف منع تأثير الخلافات الإقليمية عليه قدر الإمكان. فربط جميع الملفات ببعضها قد يؤدي إلى تعطيل فرص التوصل إلى حلول جزئية، في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى آليات لخفض التوتر.
لكن مستقبل هذا المسار سيبقى مرتبطاً بعاملين رئيسيين: مدى استعداد الأطراف لتحويل التفاهمات إلى خطوات ميدانية، وقدرة التصعيد الأميركي – الإيراني على البقاء ضمن إطار محدود دون الانزلاق إلى مواجهة واسعة قد تعيد ترتيب المشهد الإقليمي بالكامل.
وبذلك، قد تكون مفاوضات روما نجحت مؤقتاً في فصل المسارات السياسية، لكنها لم تتمكن من فصل التأثيرات المتبادلة بين أزمات المنطقة. ويبقى لبنان أمام تحدٍ معقد للحفاظ على الاستقرار، في ظل استمرار التجاذبات الدولية والإقليمية، بينما تظل الدبلوماسية المسار الأبرز لتجنب عودة التصعيد على الحدود الجنوبية.




